سهيلة عبد الباعث الترجمان
145
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
بالتالي مصدر الفكر الذي يدبر هذه الحركات « 1 » وفي هذا القول موافقة لرأي أرسطو عن " الطبيعة " إذ هي المحرك لكل موجود . وهكذا فالعالم مجموع جزئيات مترابطة متفاعلة ، وعليه ، فإن أهم القضايا وأصدقها تعبيرا عن الوجود لدى الرواقية وأولاها بالعناية هي تلك التي تتضمن نسبة بين شيئين للترجمة عن النسب الحقيقية بين الأشياء . والعالم واحد بوحدة القوة الحالّة فيه يحدده فلك الثوابت ، وخير ما يمثل اللوغوس عند الرواقية فكرة " الطبيعة " كما حدّها أرسطو حين قال إنها مبدأ حركة وسكون من ذات الموجود ، وأنها تعمل لغاية « 2 » . ويزيد الشهرستاني والبغدادي في قولهما عن حقيقة هؤلاء في مذهبهم بأن برمنيدس وهو المؤسس الحقيقي للمدرسة الإيلية قال : إن العالم موجود واحد وطبيعته واحدة " « 3 » . والواقع أن الرواقيين اضطروا في نظريتهم في المعرفة إلى الاعتراف بوجود إن لم نقل أنه روحي ، فيجب أن نقول عنه على الأقل أنه ليس وجودا ماديا ، إذ أن المادة عندهم ديناميكية لأنها مجموعة من القوى في حركة مستمرة ، ولا بد من التمييز بين هذه المادية بالمعنى المفهوم لدينا اليوم تمييزا كاملا ، فطابع المادية الرئيسي اليوم هو تفسير كمي لا يتجاوز الانتقال أو النقلة في المكان ، أما المادية الرواقية فتختلف عن هذا كل الاختلاف ، فهي تفترض في العالم مجموعة من القوى باطنة فيه بالذات ، وهذه القوى ليست كميات صرفة ، بل هي قوى حقيقية حيّة تؤثر فيه ، فليس التفسير إذن كميا على النحو المادي الموجود اليوم ، وإنما بالأحرى أن يسمى تفسيرا ديناميكيا . وعلى كل فإن نظرتهم خصوصا فيما يتصل باللّه ، تجعل من هذا الوجود وجودا باطنا في ذاته ، أعني أنّهم يقولون بوحدة الوجود على أساس أن " اللّه " هو القوة الحالّة في جميع أجزاء المادة التي منها يتكون العالم « 4 » .
--> ( 1 ) أمين ( عثمان ) ، الفلسفة الرواقية ، مرجع سابق ، ص . ص 127 - 128 . ( 2 ) كرم ( يوسف ) ، مرجع سابق ، ص . ص 223 - 224 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 27 . ( 4 ) بدوي ( عبد الرحمن ) ، خريف الفكر اليوناني ، ط الرابعة ، دار النهضة ، مصر ، سنة 1970 ، ص . ص 36 - 37 .